IMG-LOGO
آخر المستجدات: في صيف العام 2018 ، أقامت يسرا )مهندسة إلكترون في صيف العام 2018 ، أقامت يسرا )مهندسة إلكترون الأطفال في حيِّها لتدريبهم على برمجة الحاسو في صيف العام 2018 ، أقامت يسرا )مهندسة إلكترون
فئة / السياسة

سلسلة مقالات مصر التي دمرت السودان.

- نشر على2026-05-04 5239 المشاهدات
سلسلة مقالات مصر التي دمرت السودان.


 

أديس أبابا : 18- ديسمبر- 2025

إعادة نشر : 15- أبريل- 2026

 

القاهرة التي تتباكى على وحدة السودان... وهي تعمل على تمزقه تحت الطاولة.

 

لم تكن الحرب في السودان انفجارًا مفاجئًا بلا مقدمات، ولا نتاج صراع داخلي معزول عن الإقليم، بل جاءت نتيجة تراكمات وتدخلات خارجية كان لمصر فيها الدور الأبرز والأكثر تأثيرًا، سواء بالفعل المباشر أو عبر إدارة الفوضى من خلف الستار.

 

إن تواجد القوات المصرية في قاعدة مروي الجوية لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل شكّل عامل توتر حقيقي داخل المشهد السوداني الهش، وأسهم في إشعال الشارع ورفع منسوب الشكوك بين الأطراف المسلحة. ومن هناك بدأت الشرارة الأولى، قبل أن تتدحرج البلاد إلى أتون حرب شاملة. وقد أُسر عدد من الجنود المصريين في مروي، قبل أن يتم الإفراج عنهم لاحقًا وأفادت التقارير أن قوات الدعم السريع سلمت القوة المصرية المحتجزة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر بوساطة إماراتية، في حادثة كشفت بوضوح حجم التورط العسكري غير المعلن.

 

في عام 2019، عندما قاد رئيس الوزراء الإثيوبي الدكتور آبي أحمد مبادرة مصالحة في السودان، ونجح في تقريب المسافات بين المكونات السياسية والعسكرية، بدا أن البلاد تقف على عتبة استقرار انتقالي حقيقي. ذلك التقارب لم يكن عابرًا، بل كان تهديدًا مباشرًا لمعادلة النفوذ التقليدية التي اعتادت القاهرة التحكم من خلالها في القرار السوداني. استقرار السودان خارج الوصاية المصرية كان يعني سقوط ورقة ضغط استراتيجية، ولذلك لم يُنظر إلى السلام بوصفه فرصة، بل بوصفه خطرًا.

 

منذ تلك اللحظة، بدأت مصر تعمل بشكل مسجّل وعميق على تخريب هذا التقارب. تم تغذية الشكوك، تعطيل قنوات التفاهم، إعادة إنتاج خطاب التخوين، ودعم أطراف ترى في الفوضى وسيلة لإعادة ترتيب المشهد بما يخدم مصالح خارجية. لم تكن القاهرة طرفًا في صناعة السلام، بل طرفًا خائفًا من السلام، لأن السلام كان يعني فقدان القدرة على التحكم.

 

وفي الشهور الأخيرة، أغرقت مصر الفضاء الإعلامي بتصريحات عن دعم وحدة السودان ورفض تقسيمه، لكن هذا الخطاب لا يمكن قراءته إلا بوصفه تبريرًا استباقيًا قبل الإدانة. فالدولة التي ترفع شعار السيادة هي نفسها التي تشير تقارير متعددة إلى تورطها في دعم الحرب تحت الطاولة، عسكريًا وإعلاميًا، في تناقض صارخ بين القول والفعل لا يحتاج إلى كثير عناء لكشفه.

 

لم يتوقف التدخل عند حدود السلاح، بل امتد إلى حرب نفسية منظمة. شبكة واسعة من الصفحات والمواقع التي تدار من مصر، وشبكات ذباب إلكتروني، وحسابات مزيفة بتاريخ قديم، عملت جميعها على تفكيك المجتمع السوداني من الداخل. جرى نزع السودانية عن السودانيين مرة باسم العرق، ومرة باسم الدين، ومرة باسم العلمانية، ومرة باسم الموقف السياسي. لم تكن هذه اللغة توصيفًا للواقع، بل صناعة للكراهية، وتمهيدًا نفسيًا واجتماعيًا للانقسام.

 

مصطلحات مثل "عـر·ب الش...تات" و"جـن·ج...ويـد" و"عـب·...يـد" لم تسخدم ضد قوات الدعم السريع نفسه كقوة ضد الجيش ولكن استُخدمت كسلاح لتفكيك المجتمع، لا لوصف الواقع، في مشروع واضح لتفجير السودان من الداخل.

 

بعد فشل مشروع تقسيم إثيوبيا، رغم الأموال الضخمة التي أُنفقت لدعم حركات انفصالية وفتح مكاتب لهم وتقديم المال والسلاح، وجدت القاهرة نفسها أمام دولة خرجت أكثر قوة وتماسكًا، قادرة على إفشال المخططات بدل الخضوع لها. عندها تغيّر المسرح، وأصبح السودان هو الساحة البديلة. كل خطوة لاحقة لم تكن تهدئة، بل تصعيدًا، ولم تكن بحثًا عن حل، بل دفعًا متعمدًا نحو الانفجار.

 

وخلال هذه المرحلة، تشير قراءات وتحليلات إقليمية إلى أن الأجهزة الأمنية الإثيوبية كانت تتابع باهتمام بالغ التطورات المتعلقة بالتدخلات المباشرة وغير المباشرة التي تمسّ الأمن القومي السوداني، وما يرافقها من مؤشرات مقلقة حول محاولات تفكيك الدولة ودفعها نحو سيناريو التقسيم، في ظل اعتبار أن زعزعة السودان تمثل امتدادًا لمخططات إقليمية أوسع تستهدف إعادة تشكيل توازنات القرن الإفريقي بالقوة والفوضى.

 

كثرة الحديث عن وحدة السودان وسيادته بعد كل هذا العبث لا تعكس حرصًا، بل خوفًا من لحظة الحساب. فمن يزرع الانقسام لا يملك أخلاق الحديث عن الوحدة، ومن يدير الفوضى لا يُصدّق حين يتباكى على الاستقرار. الحقيقة القاسية أن السودان لم يقترب من شبح التقسيم بسبب خلافاته الداخلية وحدها، بل لأن أطرافًا إقليمية لعبت بالنار.

 

حفظ الله السودان من شرّ التقسيم، ومن كل من تاجر بوحدته أو تلاعب بأمنه ومصيره. لكن التاريخ، مهما طال الزمن، لن يغفر لداعمي الانفصال، ولو أنكروا أفعالهم ألف مرة وتستروا خلف ألف خطاب. فالتاريخ لا يُخدع بالكلمات، ولا يُمحى بالتصريحات، بل يُدوَّن بالدم والوقائع، ويُصدر أحكامه على الأفعال لا النوايا، وعلى النتائج لا الادعاءات.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة*