قال الأستاذ موسى شيخو، المحلل السياسي الإثيوبي، إنّه في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بتداعيات الصراع بين إيران والولايات المتحدة، وما يرافقه من اضطرابات تمتد إلى الشرق الأوسط والبحر الأحمر وباب المندب، يجد القرن الإفريقي نفسه أمام بيئة أمنية شديدة الهشاشة. الحروب الأهلية، والحركات المسلحة، والقرصنة، والتنافس الدولي المحموم على الموانئ والممرات البحرية، كلها عوامل تجعل المنطقة أكثر حاجة إلى التهدئة والتعاون، لا إلى فتح جبهات جديدة وصناعة أزمات إضافية. ويكفي النظر إلى السودان والصومال وإريتريا، وإلى التنافس الدولي المتصاعد على جيبوتي وصوماليلاند، لإدراك أن القرن الإفريقي يقف فوق طبقات متراكمة من التوترات الأمنية والسياسية. وفي مثل هذه البيئة، فإن إشعال صراع جديد بين دولتين بحجم مصر وإثيوبيا لا يمثل مجرد خلاف ثنائي، بل يحمل مخاطر تتجاوز البلدين لتطال استقرار البحر الأحمر والقرن الإفريقي بأكمله. ومع ذلك، يبدو أن #القاهرة مصممة على إبقاء إثيوبيا تحت ضغط سياسي وإعلامي متواصل، مستخدمة سد النهضة باعتباره عنواناً دائماً للتصعيد. فالقاهرة دأبت، في خطابها السياسي والإعلامي، على تكرار عبارات من قبيل: «لن نسمح»، «لن يمر دون عقاب»، «لا يمكن لإثيوبيا» وغيرها من العبارات التي تتجاوز في كثير من الأحيان حدود التعبير عن المخاوف أو المواقف التفاوضية، لتلامس لغة الإنذار والتهديد. وهنا ينبغي التوقف عند هذه اللغة، إذ إن تكرار عبارات من قبيل «لن نسمح» و«لا يمكن لإثيوبيا» و«لن يمر دون عقاب» يوحي بأن القاهرة تمنح نفسها، دون سند، حق تحديد ما يجوز لإثيوبيا أن تفعله وما لا يجوز لها أن تفعله، وكأن إثيوبيا دولة تابعة تحتاج إلى موافقة مصرية مسبقة لممارسة قرارها السيادي. وهذه ليست مجرد مسألة لغوية، إنها مسألة سياسية تتعلق بكيفية نظر القاهرة إلى إثيوبيا وإلى موقعها في الإقليم. وإثيوبيا ليست دولة تحت الوصاية المصرية، وليست محافظة تابعة للقاهرة، وليست طرفاً ينتظر الإذن المصري حتى يبني مشروعاته أو يحدد أولوياته الوطنية. ويمكن لمصر أن تعترض، وأن تفاوض، وأن تطلب ضمانات، وأن تدافع عن مصالحها المائية بكل الوسائل الدبلوماسية المشروعة، لكن شيئاً آخر تماماً هو أن تتحول هذه المطالب إلى خطاب يوحي بأن القاهرة تمتلك حق الفيتو على القرار السيادي الإثيوبي.
وأضاف شيخو أن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه القاهرة على نفسها قبل أن تطرحه على إثيوبيا هو: من أين جاءت فكرة أن لمصر حقاً في أن تقول لإثيوبيا: افعلي أو لا تفعلي؟ وهذه هي المشكلة الحقيقية في خطاب «لن نسمح». فالكلمات التي تبدو في ظاهرها قوية قد تكشف في جوهرها عن عقلية سياسية تنتمي إلى زمن مختلف؛ زمن كانت فيه دول المنبع تُعامل باعتبارها مجرد مصدر للمياه، بينما تُمنح دول المصب حقاً غير معلن في تقرير كيفية استخدام تلك المياه. ذلك الزمن انتهى. إفريقيا تغيرت، وموازين القوى تغيرت، ودول المنبع لم تعد تقبل أن تكون مجرد خزانات مائية مفتوحة أمام الآخرين، وإثيوبيا تحديداً لن تقبل أن يُعاد تعريف سيادتها من خارج حدودها. وقال شيخو إن سد النهضة ليس #قاعدة_عسكرية موجهة ضد مصر، وليس مشروعاً لقطع المياه عن دول المصب، بل إنه مشروع تنموي ضخم لتوليد الكهرباء، في دولة تحتاج إلى الطاقة لكي تنمو وتنتشل ملايين البشر من الفقر وتبني اقتصاداً قادراً على المنافسة. ومع ذلك، تحاول بعض الخطابات المصرية تقديم السد وكأنه مشروع نووي عدائي يستهدف مصر وجودياً. إن تحويل مشروع تنموي إلى تهديد وجودي يخدم التصعيد أكثر مما يخدم الحقيقة. والأكثر غرابة أن هذا التصعيد يحدث في منطقة لا تحتمل أزمة جديدة. فالسودان يعيش حرباً مدمرة، و#الصومال يواجه تحديات أمنية خطيرة، و#البحر_الأحمر أصبح ساحة لصراعات ومنافسات دولية، و#جيبوتي وصوماليلاند أصبحتا محوراً للتنافس على الموانئ والممرات البحرية، فيما تظل #إريتريا جزءاً من بيئة إقليمية شديدة التعقيد. فهل يعقل، وسط كل هذه الحرائق، أن تكون الأولوية هي فتح جبهة جديدة ضد إثيوبيا؟ وهل تحتاج المنطقة فعلاً إلى مزيد من الحملات الإعلامية والتهديدات المتبادلة؟
وقال شيخو إن المسؤولية الإقليمية تقتضي العكس تماماً. كان يمكن لمصر أن تجعل من #ملف_النيل نموذجاً للتعاون الإفريقي، وأن تتعامل مع إثيوبيا باعتبارها دولة جارة وشريكاً في حوض النيل، وأن تسعى إلى ترتيبات عملية تضمن مصالح الجميع. لكن تحويل الملف إلى معركة صفرية، بحيث يُنظر إلى أي مكسب إثيوبي باعتباره خسارة مصرية، هو الطريق الأسرع إلى تأزيم المنطقة. إثيوبيا لا تريد حرمان مصر من المياه، لكنها لن تقبل أيضاً أن يكون ثمن الأمن المائي المصري هو تعطيل التنمية الإثيوبية. هذه المعادلة يجب أن تكون واضحة. ومن حق مصر أن تطالب بضمانات تحمي مصالحها المائية، ومن حق السودان أن يدافع عن مصالحه، ومن حق إثيوبيا في المقابل أن تتمسك بحقها في التنمية والاستخدام المنصف والمعقول لمواردها المائية. لكن لا يمكن بناء اتفاق مستدام إذا دخل أحد الأطراف إلى قاعة التفاوض وهو يحمل في ذهنه عبارة: «لن أسمح لك». المفاوضات تبدأ عندما يعترف كل طرف بأن الطرف الآخر يمتلك حقوقاً ومصالح مشروعة. أما لغة التهديد، فقد تحقق تصفيقاً في الداخل، لكنها لا تبني اتفاقات، ولا تصنع استقراراً، ولا تغير الحقائق الجغرافية والسياسية. والأخطر أن التهديد المتكرر قد يتحول إلى فخ لصاحبه. فعندما يصبح التصعيد الإعلامي جزءاً من السياسة الداخلية، يجد صانع القرار نفسه مضطراً إلى رفع سقف الخطاب مرة بعد أخرى، حتى تتحول الكلمات إلى التزامات سياسية يصعب التراجع عنها. وعندها لا يعود السؤال: كيف نحل الأزمة؟ بل يصبح السؤال: كيف نتراجع من حافة الأزمة من دون أن يبدو التراجع هزيمة؟
وأوضح شيخو أن الأزمات الإقليمية لا تسير دائماً وفق الحسابات التي يضعها صانعوها، وما يحدث في #مضيق_هرمز يقدم درساً بالغ الدلالة: عندما تتراكم الضغوط وتتصاعد سياسات الحصار والاستفزاز، قد تولد ردود أفعال تتجاوز حدود الأزمة الأصلية، وتعيد رسم موازين القوى في المنطقة بطريقة لم يكن أحد يتوقعها. والقرن الإفريقي ليس بمنأى عن هذه القاعدة. فمحاولة تطويق إثيوبيا، أو الضغط عليها، أو تحويل سد النهضة إلى أداة لإخضاعها سياسياً، قد تنتج نتيجة معاكسة تماماً لما تريده القاهرة: بدلاً من إخضاع إثيوبيا، قد تدفعها إلى إعادة حساباتها الاستراتيجية بصورة أوسع، وتدفع المنطقة كلها إلى اصطفافات جديدة لا يمكن التحكم في مساراتها بسهولة. وهنا تكمن خطورة سوء الحساب. إثيوبيا ليست دولة يمكن التعامل معها بمنطق التهديد أو الإملاء. فهي دولة ذات ثقل جغرافي وبشري وسياسي واستراتيجي، وتحتضن مقر الاتحاد الإفريقي، إلى جانب وجود عدد كبير من المؤسسات والمنظمات والبعثات الدولية والإقليمية في أديس أبابا. ومن هنا فإن محاولة عزل إثيوبيا أو الضغط عليها لا تعني الضغط على دولة منفردة فحسب، بل تعني التعامل مع دولة تشكل أحد المراكز السياسية والدبلوماسية الرئيسية في القارة الإفريقية. وعلى القاهرة أن تدرك حقيقة أخرى أكثر أهمية: مصر ليست دولة من دول القرن الإفريقي، مهما حاولت توسيع نفوذها السياسي فيه. فالقرن الإفريقي له دوله وشعوبه ومصالحه وتوازناته الخاصة، وإثيوبيا جزء أصيل من هذا الإقليم، وليست قوة خارجية تبحث عن موطئ قدم فيه.
وتابع قائلاً إن من الخطأ الاستراتيجي أن تتحول الضغوط المصرية على إثيوبيا إلى سياسة دائمة، لأن الضغط المفرط قد ينتج ردة فعل إقليمية لا تخدم المصالح المصرية نفسها. فإذا شعرت دول القرن الإفريقي بأن هناك محاولة لفرض إرادة دولة من خارج الإقليم على واحدة من دوله الرئيسية، فقد يدفع ذلك دول المنطقة إلى البحث عن أطر أوسع للتنسيق والتشاور وحماية مصالحها المشتركة. وقد تتطور هذه الديناميكية، مع مرور الوقت، إلى ترتيبات إقليمية أكثر تماسكاً، على غرار التجارب التي عرفتها المنطقة في إطار إيغاد وغيرها من أطر التعاون الإقليمي. وهنا ينبغي للقاهرة أن تسأل نفسها: هل من مصلحتها أن تتحول سياساتها تجاه إثيوبيا إلى عامل يدفع دول القرن الإفريقي إلى مزيد من التنسيق السياسي والاستراتيجي بعيداً عنها؟ بل إن استمرار التصعيد في ملف النيل قد يفتح الباب أمام تقارب أوسع بين دول حوض النيل نفسها حول قضايا إدارة المياه والتنمية والحقوق المائية، وهو تطور قد تجد مصر نفسها أمامه في وضع أكثر عزلة مما تتوقع. الدول لا تُبنى علاقاتها بالتهديد، والتكتلات الإقليمية لا تنشأ دائماً بقرار مسبق؛ أحياناً تولد من شعور مشترك بالضغط أو من الخوف من هيمنة طرف واحد. ولهذا فإن أفضل ما يمكن أن تفعله القاهرة هو أن تتعامل مع إثيوبيا ودول القرن الإفريقي باعتبارها شركاء متساوين، لا ساحات نفوذ أو أوراقاً في صراعاتها الإقليمية. فالضغط على إثيوبيا قد لا يؤدي إلى عزلها، بل إلى نتيجة عكسية تماماً: توحيد المواقف حولها، وتعزيز التنسيق بين دول القرن الإفريقي وحوض النيل، وظهور ترتيبات إقليمية جديدة قد لا تكون مصر طرفاً فيها. وهذا، قبل أي شيء، ليس في مصلحة مصر.
وأضاف شيخو أن إثيوبيا ليست دولة يمكن تخويفها ببيان، ولا يمكن تطويقها بمجموعة من العبارات الإعلامية، ولا يمكن اختزالها في ملف سد. إنها دولة ذات ثقل جغرافي وبشري وسياسي واستراتيجي، ولها مصالحها وحساباتها، ولن تتعامل مع التهديدات باعتبارها بديلاً عن الحوار. ومن يرفع سقف التهديد ضد إثيوبيا عليه أن يتذكر أن التهديد ليس طريقاً باتجاه واحد، وأن الضغط على دولة كبيرة قد ينتج ردود أفعال أكبر مما كان متوقعاً. فالقرن الإفريقي اليوم يحتاج إلى الكهرباء والاستثمارات والموانئ والطرق والتنمية والاستقرار، لا إلى مزيد من الأزمات المفتوحة. ويحتاج إلى تعاون دوله، لا إلى تحويله إلى ساحة صراع بالوكالة. أما إذا كانت القاهرة تريد حواراً حقيقياً حول النيل، فإن باب الحوار مفتوح. أما إذا كان الهدف هو استخدام الإعلام والضغط الدبلوماسي والتحالفات الإقليمية لإجبار إثيوبيا على التخلي عن حقها في التنمية، فعليها أن تدرك أن الحملات الإعلامية لن تغير الحقائق على الأرض. إثيوبيا تحترم مصالح جيرانها، لكنها تنتظر في المقابل احترام سيادتها وحقوقها. ولا يمكن أن يكون #احترام_السيادة انتقائياً؛ فلا يمكن أن تطالب دولة باحترام أمنها ومصالحها، ثم تتحدث إلى دولة أخرى بلغة «لن نسمح» و«لا يمكن» و«لن يمر دون عقاب». إن احترام السيادة يبدأ من الاعتراف بأن للدول الأخرى الحق نفسه في اتخاذ قراراتها.
مشيراً إلى إن الرسالة الإثيوبية يجب أن تكون واضحة: نحن نفضل الحوار، ونؤمن بالتفاوض، ونحترم مصالح جيراننا، لكننا في الوقت نفسه نحترم سيادتنا، ولن نقبل أن تتحول لغة التهديد إلى قاعدة للعلاقات بين الدول. إذا كانت القاهرة تريد التفاوض، فإثيوبيا موجودة على طاولة الحوار. أما إذا كانت تريد فرض إرادتها بالضغط والتهديد، فعليها أن تعرف أن إثيوبيا لن تتراجع عن حقها في التنمية بسبب حملة إعلامية، ولن تعيد تعريف سيادتها استجابةً لإنذارات تأتي من خارج حدودها. الحل ليس في أن يقول طرف: «لن أسمح»، وإنما في أن يقول الجميع: «فلنتفاوض». فالنيل يمكن أن يكون جسراً للتعاون بين دوله، لكنه يمكن أيضاً، إذا أُدير بمنطق الهيمنة والتهديد، أن يتحول إلى أحد.
#الى_الامام_إثيوبيا




